المجال : البلاغة       العنوان : مقدمة عن البلاغة     بتاريخ :

الأمثلة :

1 - يا ابن آدم تؤتى كل يوم رزقك ، و أنت تحزن ، و ينقص كل يوم من عمرك و أنت تفرح ، أنت فيما يكفيك و تطلب ما يطغيك ، لا بقليل تقنع ، و لا بكثير تشبع .

2 - أصاب البُعَاقُ أرضنا فأنبتت عشبا و أمسكت ماء .

توضيح :

لو نظرنا إلى المثال الأول لوجدنا أن الواعظ أتى بكلمات واضحة لدى السامع مألوفة لدى كل من له اهتمام بأساليب اللغة العربية . و أن كلامه فصيح مؤد للمعنى المطلوب بأحسن ما يكون لذا فهو كلام بليغ .   

أما في المثال الثاني فقد وجدنا أن تنافر حروف كلمة البعاق  جعل النطق بها صعبا . لذا فهي ليست فصيحة . و من ثم فالجملة غير فصيحة و لا بليغة .

تعريف البلاغة :

هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته . و الحال هو الأمر الداعي للتكلم ، فالبليغ يراعي في كلامه المكان و الزمان و حال المخاطب . و علومها ثلاث هي : علم المعاني و علم البيان و علم البديع .

تعريف الفصاحة : هي البيان و الظهور ، و تكون في الكلمة  و الكلام ، و شروطها هي

أولا - شروط فصاحة الكلمة : هي

1 - أن لا تنافر حروفها بحيث تثقل على اللسان و يصعب النطق بها ، مثل : البعاق أسهل منها كلمتي المزنة و الديمة و هي كلمات تدل على معنى واحد هو السحابة  الممطرة

2 - أن لا تكون غريبة : و المراد بالغرابة هو عدم ظهور معنى الكلمة لقلة استعمالها أو صعوبة تخريج معناها ، فالأول كقول أعرابي سقط عن حماره فاجتمع عليه الناس : ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة افرنقعوا

و الثاني كقول رؤبة بن العجاج :

أزْمانَ أبْدَتْ وَاضِحًا مُفلّجًا          أغَرَّ بَرَّاقًا وَ طَرْفًا أبْرَجَا 

و مُقلةً و حاجِبًا مُزجّجــــا          و فاحما و مِرسنا مُسرّجا 

فقول الأعرابي ( تكأكأتم ) بمعنى ( اجتمعتم ) قليل الاستعمال ، و المِرْسَنُ هو الأنف و قوله مُسَرَّجا صفة له لكننا لا نعرف أهو يعني بها أنه في دقته و استوائه كالسيف السُّرَيْجِي أي المنسوب إلى القَيْنِ المسمى سُرَيْجًا ، أو أنه في بريقه و لمعانه كالسِّرَاج . و مثل هذا كل كلمة دلت على أكثر من معنى و لم توجد قرينة تقصرها على أحد معانيها ، فإن وجدت زالت الغرابة ، وذلك كقوله تعالى : ( فالذين آمنوا و عزروه و نصروه ) ، فالتعزير يدل على التعظيم كما يدل على التحقير ، لكن قرينة السياق هنا دلت على أن المراد به التعظيم .

3 - مخالفة القياس الصرفي ، كفك ما يجب إدغامه ، كما جاء في قول المتنبي :

فلا يبرم الأمر الذي هو حالل      و لا يحلل الأمر الذي هو مبرم

فإن قوله : حَالِل و يُحْلَل بدل حالٌّ و يُحَلُّ مخالف للقياس الصرفي .  

ثانيا - الكلام الفصيح : هو كل كلام اتصف بما يلي :

1 - أن تكون كل كلمة فيه فصيحة

2 - أن لا تتنافر كلماته و لو كانت كل منها فصيحة لوحدها ، و ذلك مثل :

و قَبْرُ حرْبٍ بمكان قَفْر     و ليسَ قُرْبَ قبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ

فإن كل كلمة في هذا البيت فصيحة لوحدها ، لكن اجتماعها يتكرر فيها الراء و الباء جعلها متناهية في الثقل .

3 - أن لا يكون ضعيف التأليف بأن يخرج عن قواعد النحو :

- كالإضمار قبل الذكر ، نحو : ضرب غلامه زيد ، و كقولهم : أكلوني البراغيث

- و كعود الضمير على متأخر لفظا و رتبة ، مثل قول حسان بن ثابت يمدح مطعم بن عدي القرشي الذي كان يدافع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أيام الجاهلية :

و لو أنَّ مَجْدًا أخْلدَ الدَّهْرَ واحِدًا     مِنَ الناسِ أبقى مَجْدُهُ الدهرَ مُطْعِمَا

فالشاعر يريد أن يقول : إنه لو صح للأمجاد أن تخلد شخصا واحدا لكان ذلك الشخص المخلد هو مطعم لكثرة أمجاده ، لكنه خالف قواعد اللغة فأرجع الضمير في ( مجده ) على ( مطعما ) المتأخر لفظا كما ترى ، و رتبة لأنه مفعول به .  

3 - أن يسلم من التعقيد اللفظي : الذي يسببه ضعف التأليف و الخروج على مألوف قواعد اللغة كما بينا ، وكما في  قول الفرزدق يمدح إبراهيمَ بنَ هشام خالَ هشام بنِ عبد الملك :

  و ما مِثلُهُ في الناسِ إلا مُمَلَّكا      أبُو أمِّه حَيٌّ أبوه يُقارِبُه

فإنه فصل بين المبتدإ ( مثله ) و الخبر ( حي ) بأجنبي هو ( في الناس إلا مملكا أبو أمه ) و بين المبتدأ ( أبو أمه ) و الخبر (أبوه ) بأجنبي هو ( حي ) و بين الموصوف ( حي ) و صفته ( يقاربه ) بأجنبي هو ( أبوه ) و قدم المستثنى ( مملكا ) على المستثنى منه (حي )

هذا رأي السيوطي و على رأي الدمنهوري ( مثله ) اسم ( ما ) و ( حي ) بدل منها ، و ( في الناس ) خبر ( ما ) .

 فالتأليف السليم للكلام هو : و ما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه

و قول المتنبي : أنى يكون أبا البرية آدم     و أبوك و الثقلان أنت محمد 

فالتأليف السليم للكلام أن يقول : كيف يكون آدم أبا البرية ، و أبوك محمد ، و أنت الثقلان ، يريد أن يقول إن الخليفة جمع ما في الخليقة من فضل و كمال ، لكنه عبر بأسلوب ركيك يدعو إلى اللبس مع ما فيه من تقديم و تأخير يخالف قواعد كلام الفصحاء .

4 - أن يسلم من التعقيد المعنوي : 

كما في قول أبي تمام :

 جذبتُ نداه غدوةَ السبتِ جذبةً      فخرَّ صريعا بين أيدي القصائد

فإنه جعل ممدوحه يخر صريعا و هذا من أقبح الكلام

استنتاج :

تعريف البلاغة : هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته . و علومها ثلاث هي : علم المعاني و علم البيان و علم البديع .

تعريف الفصاحة : هي البيان و الظهور ، و تكون في الكلمة  و الكلام ، و المتكلم ، و شروطها هي

أولا - شروط فصاحة الكلمة : هي

أن تكون مألوفة واضحة المعنى سلسة على اللسان جارية على القياس الصرفي .

ثانيا - شروط فصاحة الكلام : أن تكون ألفاظه فصيحة، و معناه واضح، و سبكه جيد.

ثالثا - المتكلم الفصيح : هو من له ملكة تمكنه من التعبير عن المقصود بكلام فصيح سواء تكلم أم لم يتكلم ، و من تكلم بالفصيح دون امتلاك لهذه الملكة ليس فصيحا. 

و لا بد للفصيح من معرفة بعلم اللغة ليميز بين الغريب و المستعمل ، و بالتصريف ليفرق بين المقيس و الخارج عن القياس ، و بالنحو ليسلم من ضعف التأليف و التعقيد اللفظي

تطبيق :

1 - اذكر العيوب التي أخلت بفصاحة ما يلي :

- يقول أبو النجم : الحمد لله العلي الأجلل             الواحـــد الفـــرد القديـــم الأول

- يقول امرؤ القيس يصف شعر رأس محبوبته بارتفاع الذوائب :

غدائــــره مستشزرات إلـــى العلـــــــــى            تضل العقاص في مثنى و مرسل .

2 – بين أي البيتين أبلغ معللا ما تقول :

- لعَمْرُك ما أهْـوْت كَــفِّــي لِـرِيـبَــةٍ          و لَا حَـمَـلَـتْـنِـــي نَحْــوَ فَـاحِـشَـةٍ رِجْـلِـي

- و المَجْــدُ لا يَـرْضَى بِـأنْ تَـرْضَـى         بِـأنْ يَـرضى المُـعَـاشِـر مِنكَ إلَّا بالـرِّضَا


Modifié le: mardi 5 janvier 2021, 13:01